سيد محمد طنطاوي
40
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والجار والمجرور وهو قوله * ( كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ) * في موضع رفع خبر لمبتدأ محذوف . أي شأن هؤلاء في تكذيبك يا محمد كشأن آل فرعون والذين من قبلهم في تكذيبهم لأنبيائهم . والمقصود بآل فرعون أعوانه وبطانته ، لأن الآل يطلق على أشد الناس التصاقا واختصاصا بالمضاف إليه ، والاختصاص هنا في المتابعة والتواطؤ على الكفر ، لأنه إذا وجد العناد في التابع فهو في الغالب يكون في المتبوع أشد وأكبر . ولأنهم هم الذين حرضوه على الشرور والآثام والطغيان فلقد حكى القرآن عنهم ذلك في قوله - تعالى - وقالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وقَوْمَه لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ ؟ قالَ : سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ ونَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ . وإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ « 1 » . وخص القرآن آل فرعون بالذكر من بين الذين سبقوهم في الكفر ، لأن فرعون كان أشد الطغاة طغيانا ، وأكبرهم غرورا وبطرا وأكثرهم استهانة بقومه ، واحتقارا لعقولهم وكيانهم ، ألم يقل لهم - كما حكى القرآن - أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلى « 2 » . ألم يبلغ به غروره أن يقول لهم : أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهذِه الأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ « 3 » ألم يقل لوزيره : يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبابَ ، أَسْبابَ السَّماواتِ ، فَأَطَّلِعَ إِلى إِله مُوسى وإِنِّي لأَظُنُّه كاذِباً . . « 4 » . ولقد وصف اللَّه - تعالى - قوم فرعون بهوان الشخصية ، وتفاهة العقل ، والخروج عن كل مكرمة فقال : فَاسْتَخَفَّ قَوْمَه فَأَطاعُوه إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ « 5 » ، لأن الأمة التي تترك الظالم وبطانته يعيثون في الأرض فسادا لا تستحق الحياة ، ولا يكون مصيرها إلا إلى التعاسة والخسران . وجملة * ( كَذَّبُوا بِآياتِنا ) * تفسير لصنيعهم الباطل ، ودأبهم على الفساد والضلال . والمراد بالآيات ما يعم المتلوة في كتب اللَّه - تعالى - والبراهين والمعجزات الدالة على صدق الأنبياء فيما يبلغونه عن ربهم . وفي إضافتها إلى اللَّه - تعالى - تعظيم لها وتنبيه على قوة دلالتها على الحق والخير وقوله * ( فَأَخَذَهُمُ اللَّه بِذُنُوبِهِمْ ) * بيان لما أصابهم بسبب كفرهم وتكذبيهم للحق ، وفي التعبير بالأخذ إشارة إلى شدة العقوبة ، فهو - سبحانه - قد أخذهم كما يؤخذ الأسير الذي لا يستطيع فكاكا من آسره .
--> ( 1 ) سورة الأعراف الآية 127 . ( 2 ) سورة النازعات آية 24 . ( 3 ) سورة الزخرف الآية 51 . ( 4 ) سورة غافر الآية 36 - 37 ( 5 ) سورة الزخرف الآية 54 .